فيلم “مريم” قصة اجتماعية تنحو الى الواقعية، للمخرج عفيف حيدر، كتابة حسن ادلبي وانتاج styrax productions

مريم

“مريم”… حين صُلبت …
جملة بمعناها الظاهراختصرت حكاية وجع ….ترجمه الكاتب حسن ادلبي نصا سينمائيا مبتعدا عن السائد في السينما اللبنانية لتناوله قصة اجتماعية تنحو الى الواقعية مستلما دفته الاخراجية المخرج اللبناني عفيف حيدر مخرج “اسوارة العروس” ومن احمد فحص . Styrax productionsانتاج
مريم الاسم الذي اختاره الكاتب للفيلم يعكس واقع مرير للطبقات الفقيرة والمهمشة في المجتمع اللبناني مسلطا الضوء على خبايا قاتمة لاستغلال عمالة الأطفال الغير مشروعة في الأصل .
خطوط دراميا متصلة تقودنا الى واقع اقوى من الخيال الذي كان ولا بد لهذا الواقع ان يفرض نفسه في السينما اللبنانية على اعتبار ان السينما هي مرآة عاكسة للواقع ومعبرة عنه مهما اختلفت أسباب التعبير على حد قول مخرج الفيلم عفيف حيدر.
حيدر:
مريم حكاية وجع تختصر معاناة الازقة المظلمة التي لا يصلها النور.
حيدر الذي قدم للجمهور فيلم “اسوارة العروس” يمضي مع مريم تجربته السينمائية الثانية بجرأة ربما تعرضه للكثير من الانتقادات على حد قوله وأردف قائلا:
الفيلم حالة خاصة جداً يطرح قضية تحوى فى مجملها العديد من القضايا الموجودة فى لبنان ولم أقصد هنا التماساً لجماعة معينة أو شخصيات، لكننى قدمت نموذجاً يطرح كل الشخصيات الموجودة على الساحة الآن مختزلة فى شخصيات معقدة ومركبة الى حد ما وهو تظهير لما قدمه كاتب الفيلم .
وأضاف حيدر: عندما قررت تقديم هذا الفيلم توقعت أن يثير الجدل أو يحدث أزمة حوله … لكنني تمنيت أن يصل الى كل لبناني ، أردت تقديم رؤية خاصة تمس الجميع، من خلال رسالة مباشرة من يشاهدها يفهمها جيداً، خاصة أن قصة الفيلم تتعرض لقضية لطالما كانت مهمشة ومغمورة لاسباب نجهلها تماما .
لدى قراءتي الأولية للورق انتابني قلق شديد ، قلق مبرر ممزوج بمسؤولية أي مخرج تجاه هكذا نص يعرض حكايا وجع تختصر معاناة الأزقة المظلمة التي لا يصلها النور بعد القراءة مباشرة كان السؤال البديهي للكاتب ، من هي مريم ، كانت اجابته كفيلة في المضي الى خلف الكاميرا .
وأشار حيدر: إلى أن ما يحدث فى لبنان الآن من استغلال للطفولة حدث فيها منذ فترة طويلة، وهو إرهاب بحد ذاته يجب مكافحته والإرهاب لا يدخل الدولة فقط من خلال الدين، ولكن يدخل من خلال الطمع والشجع وحب المال والسلطة والجاه ولن تحل أزمة المجتمع إلا من خلال القضاء على هكذا إرهاب فكري ، هذا الفيلم وغيره من الأعمال السينمائية التى تدق ناقوس الخطر حول هكذا موضوع يؤكد على أهمية وضرورة حماية الدولة من هكذا اشخاص ، وضرورة اصطفاف الناس مع بعضها لحماية الطفولة المستغلة على كافة الأصعدة .
وعن السينما اللبنانية قال حيدر :
السينما هي صناعة إبداع فني يختلف عن غيره من الفنون الأخرى، إذ إن الأفلام المعدّة للاستثمار والعرض ومقاربة الجمهور تحتاج إلى مبالغ إنتاجية ليست بسيطة ويمكن القول إنّ السينما اللبنانية اليوم هي سينما تجارب غير مستمرة، وتفتقد إلى جهات راعية للإنتاج، فمعظم منتجي الأفلام السينمائية اللبنانية هم أوروربيون وأميركيون، وعملية البحث عن منتجين تستغرق أحيانًا سنوات طويلة. وبالتالي فهي عملية نضال يومي شاق، وعملية عرض وطلب، وعلى المخرج أن يقنع الجهات الداعمة بفيلمه ليحصل على الإنتاج. في المقابل، وفي لبنان لا يوجد دعم للسينما على عكس ما نرى في الدول الاخرى فمصر مثلا تدعم السينما منذ فترة طويلة، تمامًا كما هو الحال في سوريا وتونس والمغرب والجزائر….
ويضيف حيدر: أعتقد أنه لغاية اليوم لم يُنتج فيلم لبناني على قدر كبير من الإنتاج على الرغم من وجود اعمال هامة لكنها لم تلق الدعم الكافي انتاجيا وهذا للأسف ما يؤكد مقولة بأن السينما اللبنانية باتت سينما ايحاءات وابتذال وتسخيف لعقل اغلب المتلقين الذين وللأسف لهثوا وراء مشاهدة هكذا نوعية من الأفلام ، المتلقي بات في وقت ما مسيرا لا مخيرا من حيث انتقاء ما سيشاهده فالفيلم الجيد بنظره هو الفيلم (الجريء) وعن أي جرأة يبحث؟.
ومن المهم ان اختم هنا بأنه على أي مخرج ان يبحث عن السيناريو الجيد الذي نفتقد له فلا يصنع وينتج فيلم جيد بدون سيناريو جيد وهذه قاعدة أساسية ورغم عمر السينما الطويل الا ان السيناريو يعد عملة صعبة في الفن السابع، فاذا كانت السينما تعرفنا دائما على اسماء لامعة في مجال الاخراج والتصوير والمونتاج والتمثيل الا انه يصعب عليها ان تعرفنا على اسماء جديدة من كتاب السيناريو ومن سوء حظ كاتب السيناريو ان يبقى خلف الواجهة بسبب من طبيعة السينما نفسها باعتبارها فنا بصريا وسمعيا يعتمد النجومية .
وبما ان الواقع هو مادة دسمة لصناعة أي فيلم ، ادرت كاميرتي بعد قراءة مريم لما يحمله من واقعية في الطرح ، ولادراكي تماما ان السينما هي الايهام بالواقع أي انه ربما يستسلم المتلقي لما يرى ظنا منه انه خيال ليكتشف لاحقا بأن الواقع بعينه .

في مريم هناك كاتب مدنا باساس متين وصلب سنبني على متنه فيلما نطمح الى ان يغدو حديث الناس.
ادلبي :
السيناريو هو مصدر الالهام الأول .
حسن ادلبي كاتب سيناريو فيلم مريم يطمح لتجربته الأولى في كتابة السيناريو النجاح وعن ذلك قال :
لم اكتف بملكة الكتابة التي لدي وبمشاهدة الكثير من الأفلام والمسلسلات وحسب، بل اعتمدت وبشكل رئيس على القراءة المتواصلة للسيناريوهات النصية المكتوبة لتلك الأفلام والمسلسلات. قراءة سيناريوهات الأفلام جزء جوهري بالنسبة للمؤلفين، إذ توفر مزايا فريدة لا يمكن إهمالها، بداية من تمكين عقولهم من رؤية التنسيق الصحيح للأحداث وإدراك الفرق بين كتابة المشهد على الورق ومشاهدته على الشاشة، واستكشاف هيكل وأنماط مجموعة متنوعة من سيناريوهات أفضل الكُتّاب والمخرجين العالميين، مما يساعدهم على صقل مهاراتهم بشكل كبير.
وأضاف ادلبي : في مريم اعتمدت وبشكل مباشر على تجارب شخصية ومشاهدات حركت بداخلي شياطين الكتابة ، استفزني هول ما رأيت من استغلال للطفولة في شوارع بيروت وازقتها فكان لزاما علي نقل كل تلك المشاهدات الى المتلقي .
لا انكر الخوف الذي انتابني بداية ، خاصة وانها التجربة الأولى ، ولكن ايماني بأن السيناريو هو مصدر الالهام الأول لأي مخرج او أي جهة إنتاجية ، مزجت خوفي بمكنونات قلمي الى ان كتبت الحوار الأخير من الفيلم الذي تلقفه المخرج عفيف حيدر بعد قراءته الأولية للنص وقال بالحرف “هيدا ورق حقيقي” .

وعن مريم في الفيلم قال ادلبي :
مريم مزيج يختصر معاناة مركبة ومعقدة وخبايا لم يعتد المتلقي اللبناني ان تصله تابوهات محرمة الطرح تحت اطار الخطوط الحمراء التي يحرم على الكاتب تخطيها .
مريم صرخة وجع في وجه استغلال الطفولة بكافة اشكالها البشعة الى حد سلخ الأعضاء عن الجسد والمتاجرة بها .
واردف ادلبي :
في مريم تجتمع كل التناقضات بخطوط درامية متصلة ومحبوكة ، قدمت الخير مقابل الشر والعطاء مقابل الاستغلال ، الصداقة مقابل الخيانة والغدر ، كل تلك التناقضات كانت مشاهدات يومية على مدى سنين وتجارب حياتية علمتني كثيرا .
ولم أفترض في مريم كما يشاء الناس ولكني نقلت التأثيرات والمتغيرات في المجتمع وآثرت ان يتميز المضمون الذي اقدمه بأهدافه لأتفق بها مع المخرج لتحقيق الهدف المنشود ، فوقع على عاتقي التفكير لقضية تستحق الطرح مهما كانت مأساوية، ومن هنا كان ادراك مخرج الفيلم عفيف حيدر ومنتجه احمد فحص أهمية الخوض في ميدان انتاج “مريم”

وختم ادلبي :كل تلك الفوضى المجتمعية فتحت شهيتي على الكتابة لانها انعكاس عميق لحاجة البشر الى ان يلتمسوا نماذج الحياة في اطار تجارب قاسية جدا وبما ان اكثر أنواع القصص جماهيرية هي الحكايا التي تقدم من خلال السينما خطوت خطوتي الأولى التي اطمح بأن تكون نافذتي الى عالم الكتابة .
فحص:
الإنتاج السينمائي من اعقد واهم الوظائف.
منتج فيلم اسوارة العروس (احمد فحص) الذي لاقى نجاحا حين طرحه للمتلقي يقرر إعادة التجربة والمخرج عفيف حيدر بعد قراءة نص مريم .
فحص الشاب الطموح رأى في مريم ما كان يبحث عنه على حد قوله :
لدى قرائتي الأولى للنص فُتحت شهيتي على الإنتاج السينمائي مجددا ، رغم كل الظروف المحيطة الصعبة التي يمر بها البلد .
ندرك تماما ان الإنتاج السينمائي في العالم العربي وفي لبنان ملحّ للغاية إلاّ أن أحد جوانب الأزمة السينمائية العربية كامنٌ في غياب سياسة ثقافية للإنتاج، تعتمد خططاً بعيدة المدى، وتُشكّل هيكلية متكاملة للعمل الإنتاجي المتنوّع في إنتاج مشاريع مختلفة. خطط تضع ميزانيات جدّية، وتُكلّف منتجين فنانين، بدلاً من سطوة منطق التمويل الإنتاجي التجاري البحت، متابعة الفصول الكاملة لتنفيذ المشروع، وإيجاد أسس متينة للتوزيع والتسويق وغيرها ، والإنتاج السينمائي من اعقد الوظائف الفنية في صناعة أي فيلم .
وعن الانتاجات السينمائية اللبنانية اردف فحص:
تقوم شركات الإنتاج بحركة إنتاجية متكاملة من دون أي قراءة نقدية لإنتاجاتها مستمرة في إنتاج مشاريع ليست كلّها ذات سوية إبداعية واحدة طبعاً، بل يُمكن القول إن الإبداع في غالبيته نادرٌ. فهي منصرفةٌ، غالباً، إلى التجاريّ الاستهلاكيّ القادر وحده، بالنسبة إليهم، على إعادة المدفوع، إلى جانب بعض الأرباح متناسين المضمون الذي يمكن تقديمه للجمهور ، وهذا ليس أمراً دائم الحصول، إذ إن أفلاماً تجارية استهلاكية عديدة، بنجوم “شبّاك التذاكر” أحياناً، لا تجذب مشاهدين كثيرين لشدّة روتينها البصري والفكري .
وعن مريم :
نعلم بأن النص الجيد هو الأساس في عملية انتاج أي فيلم سينمائي وان الإنتاج السينمائي هي بمثابة القاطرة المحركة للنص لتمكين المخرج من تصديره بصريا حتى يصبح قابلاً للعرض الجماهيري .
في مريم اجتمع عنصران مهمان جدا النص الجيد والمخرج القادر على ترجمة النص بعدسته ، العصب الأساسي الذي يقوم عليه بناء الفيلم موجود والدافع والذي يندفع من خلاله العمل السينمائي قدماً إلى الأمام على مستوى كل تخصص سينمائي طبقا للبرنامج المخطط له مسبقاً قبل بدء التنفيذ .
وعن توقعاته للفيلم :
لن اتطرق الى الجانب الاقتصادي او المردود بل أتكلم هنا عن الجماهيرية واستقطاب الجمهور للفيلم ، الجمهور الذي لطالما كان يقصد السينما بهدف التسلية والضحك ويهرب من الأفلام الجديّة ذات القضايا الجوهرية نجده الان قد بدل نظرته خاصة بعد كل المتغيرات المجتمعية وتأثير الفقر والعوز والاستغلال على المجتمع ، ومن هنا أتوقع ان يثير الفيلم موجة من الجدالات خاصة لما يطرحه من قضايا لم تعرض سابقا ومقولة بأن الأفلام الخفيفة التي عُرضت في الصالات اللبنانية خلال الآونة الأخيرة، تلقى إقبالًا كثيفًا، على الرغم من أنها لا تعتبر أفلامًا سينمائية حقيقية لناحية المضمون والتصوير والأداء والمؤثّرات، وتبدو كأنها مجرد حلقات تلفزيونية… يجب ان تتغير .

والجدير ذكره فيلم “مريم” يتم تصويره في الجنوب اللبناني وهو في مراحله الأخيرة

التعليقات مغلقة.