الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية نظمت ورشة "مناهضة عقوبة الإعدام في الإعلام" :لبنان يقترب من إلغائها
وطنية - نظّمت "الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية"، بعد تقديمها اقتراح قانون لإلغاء عقوبة الإعدام إلى المجلس النيابي في تشرين أول الماضي، وبالشراكة مع المنظمة الفرنسية "معا ضدّ عقوبة الإعدام" (ECPM) ، ورشة عمل متخصصة للإعلاميين والإعلاميات، بهدف تعزيز دور الإعلام في مقاربة هذه القضية الجدلية واكتساب معرفة علمية وحقوقية دقيقة لمواكبة حملة وطنية ريادية في لبنان".
وأشار بيان "الهيئة"، الى "ان هذه الورشة تندرج في برنامج متكامل للهيئة، يتوجه، إضافة إلى الإعلاميّين، إلى نقابات المحامين والقضاة والحقوقيّين، والجمعيات والشباب والناشطين والتلاميذ في المدارس، وإلى المجلس النيابي ومجلس الوزراء للدفع باتجاه إقرار اقتراح القانون".
شارك في الورشة ثلاثون إعلاميًا وإعلامية يمثلون 22 وسيلة ومؤسّسة في الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع والإلكتروني، من بينها: النهار، الأخبار، نداء الوطن، MTV، OTV، NTV، RedTV، NBN، مريم TV، LTV، الجزيرة، العربية (الحدث)، المفكرّة القانونية، مناطق نت، المدن، ليبانون ديبايت، رصيف 22، تحقيقات نيوز، الشمال نيوز، وكالة الأناضول،وكالة الأنباء القطرية، إذاعة صوت لبنان، قناة النبطية ومنصّات أخرى.
تميّزت الورشة ببرنامجها الأكاديمي، وبمجموعة من الوثائق المرجعيّة التي أعدّتها الهيئة باحتراف وإيجاز كي تخدم الرأي العام والناشطين وبالأخص الإعلام لتمكينه من تناول هذه القضية باحتراف.
افتُتحت الورشة بكلمة ترحيبية وجلسة تعارف، قدّمتها المنسّقة العامة للبرنامج، هلا بو علي، أعقبها نشاط تفاعلي بعنوان "مع الإعدام/ ضدّ الإعدام/ بين الاثنين"، أتاح للإعلاميين التعبير بصراحة عن مواقفهم الذاتيّة إزاء عقوبة الإعدام. وهذا أساسي للتفكير وإعادة التفكير في الموقف الذاتي، عدا موقف المؤسّسة.
شكّل هذا النشاط الافتتاحي مدخلاً لنقاش علمي حول الحجج العشرين لمناهضة الإعدام، في مستند حمل عنوان "مانيفست لا للإعدام: 20 حُجّة"، أعدّه مؤسِّسا الحملة الوطنية لإلغاء الإعدام في لبنان الدكتورة أوغاريت يونان والدكتور وليد صلَيبي منذ العام 2001 مع تحديث متواصل. تمّ توزيع المستند على الجميع، لمناقشته في مجموعات عمل صغيرة، وللاستناد إليه في العمل الإعلامي حول هذه القضية لاحقًا.
ثم عُقدت طاولة مستديرة جمعت صحافيين من أربع وسائل إعلامية، نوال ليشع عبود، سمير يوسف، غدي بو موسى، محمود جعفر، حيث ناقشوا كيفية تعامل الإعلام مع الجريمة ومع الإعدام. أوضح المتكلّمون الأربعة أن التغطيات غالبًا ما تركّز على الجانب العاطفي، وما تكون متسرّعة، ما يؤدي إلى شيطنة المرتكب وتغليب السردية الانفعالية على المعطيات الموثوقة والموضوعية، مع إغفال الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والتربوية للجريمة. وأكدوا أهمية اعتماد مقاربة إعلامية مسؤولة، تبدأ بعرض الحقائق بدقّة وبدون آراء ذاتيّة أو افتراضات، مع مراعاة حقوق الضحايا والمتّهمين على حدّ سواء. كما ركّزوا على أن تغطية الإعدام ليست كسواها من المواضيع، وأنّ معظم الإعلاميين يقعون تحت ضغط الخبر السريع ولحظة الجريمة. قالوا: لا يجوز للإعلامي أن يقدّم رأيه الشخصي، وبالأخص بما يشبه التحريض على الانتقام والانحياز الانفعالي، وأنّ لديه منهجيات متنوعة عديدة لضمان الموضوعية وفي الوقت عينه لتقديم نموذج الإعلام السِلمي المسؤول.
وانتقل النقاش بعدها إلى الإطار الحقوقي الوطني والدولي، حيث قدّم الأستاذ رفيق زخريّا قراءة شاملة للاتجاهات الدولية في إلغاء العقوبة، مفنّدًا الاحصاءات العالمية حيث بات عدد الدول اللاغية لعقوبة الإعدام في القانون وفي التطبيق 151 دولة أي أكثر من ثلثي دول العالم.
كما عرض للإطار الأممي المرجعي المتعلّق بصكوك حقوق الإنسان ومناهضة الإعدام، وعلى رأسها البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لعام 1989، إضافة إلى القرار الأممي حول "وقف تنفيذ أحكام الإعدام" (Universal Moratorium on Executions) الذي اعتمدته الأمم المتحدة منذ سنة 2007 ويُطرح للتصويت كلّ سنتين. لبنان لم ينضمّ إلى البروتوكول؛ لكنّ الموقف الرسمي تطوّر مؤخرًا مع تصويت لبنان منذ الأعوام 2020 و2022 و2024 في الأمم المتحدة لصالح قرار الوقف العالمي لتنفيذ الإعدام.
وأشار زخريا إلى "أن لبنان يعيش حالة تجميد فعلي لتنفيذ أحكام الإعدام، منذ 21 سنة متواصلة شملت عهودًا سياسية مختلفة وحكومات متعاقبة، وذلك منذ تنفيذ آخر ثلاث إعدامات في سجن رومية في 20 كانون الثاني 2004".
كما ذكّر بأنّ" لبنان سبق أن جرّب التصويت على إلغاء جزء من عقوبات الإعدام، وكان ذلك الإنجاز القانوني الأول للحملة الوطنية عام 2001 من خلال إلغاء "قانون القاتل" (رقم 302/94) بتصويت 94% من النواب لصالح إلغائه".
جلسة أساسيّة لم يكن ممكنا للورشة أن تكتمل من دونها: مسيرة وإنجازات "الحملة الوطنية من أجل إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان"، التي تأسّست سنة 1997 ولا تزال متواصلة. وهي فرصة خاصة جدًا أن تكون مؤسِّسة الحملة حاضرة مع الإعلاميين، د. أوغاريت يونان، تخبرهم عن هذا التاريخ بكلّ تفاصيله واستراتيجيّاته ووجوهه وقصصه المؤثرة وأفكاره الإبداعية وبأحاسيسه ومعاناته وبالطبع بتحدّياته وإنجازاته. فنحن لم نعد في بداية الطريق، بل أصبحنا في المرحلة الختامية لإقرار إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان.
وكانت تحيّة لمؤسِّس هذه المسيرة، المفكّر اللاعنفي وليد صلَيبي، الذي رحل منذ حوالى سنتين.
في الجزء الثاني من الورشة، حول "الإعدام في الإعلام"، عرضت د. يونان موجزًا عن بحث أجرته بعنوان "الإعدام في الإعلام" في رصد موثّق منذ الاستقلال. واستخلصت بعض المحاور في نقاش مفتوح مع المشاركين: إعادة النظر في المفردات، إنسانيتنا لا تتجزأ، العودة إلى جوهر الموضوع - إلى الأسباب، في الإعدام هناك ضحايا لا ضحية واحدة، الحديث عن الإعدام هو حديث عن الحقوق، الإعلام الحائر بين ثقافة العنف واللاعنف، لا حياد للإعلامي أمام الظلم والعنف، مسؤولية الإعلام أمام "التسييس والتطييف" عندنا في تطبيق الإعدام، ضرورة تطوير علميّة الإعلام في تناول الإعدام...
وكانت تساؤلات من البعض، حول معاقبة من يغتصب طفلاً، من يتعامل مع العدو، من يفظّع في جريمته، إلخ. وبقي الباب مفتوحًا أمام المزيد من المعرفة والنقاش، لتخطّي رغبات الردّ على الجريمة بجريمة ولفَهم جوهر المسؤولية في ثقافة اللاعنف.
في الختام، تمّ الاتفاق على آلية عملية لمواكبة إعلامية للحملة، وعلى حاجة الإعلام إلى التدرّب في هذا المجال. كما تمّ الإعلان عن تشكيل شبكة تواصل إعلامية–حقوقية، وإنتاج مواد إعلامية متنوعة حول عقوبة الإعدام، وعقد لقاءات دورية للاطلاع على تطورات الحملة ودعم جهود المناصرة.
شكّلت الورشة مساحة فريدة، مهنية وإنسانية، حول قضية الإعدام، حيث التقى الإعلاميون والخبراء على رؤية مشتركة لدور الإعلام بوصفه شريكًا أساسيًا في ثقافة اللاعنف. وخرج المشاركون بإحساس مشترك بأنّ دور الإعلام لا يقتصر على التغطية، بل يمتد إلى رفع الوعي، وصون حقوق الإنسان، كلّ إنسان، والإسهام في التفكير بحلول عادلة لا تقوم على العنف بل على الإصلاح والإنصاف.
==========
